ملا محمد مهدي النراقي

322

جامع الأفكار وناقد الأنظار

فان قيل : انّما يلزم الجبر إذا كان وجوب صدور خصوص فعل الطاعة أو المعصية من جانب اللّه ومستندا إلى الأسباب الصادرة عن اللّه ، وليس كذلك ؛ لأنّ نسبة الأسباب المذكورة إلى السعيد والشقيّ والمطيع والعاصي على السواء وما أعطى منها لأحدهما أعطى بعينه للآخر فهما في اعطاء الأسباب وإفاضة « 1 » الشروط والآلات سواء ، فهو - أي : وجوب صدور خصوص فعل الطاعة أو المعصية - مستند إلى ذات العبد ومهيته ، وجودة طينته وخباثته . فالمحسن لجود ذاته اختار الطاعة واستحقّ الثواب والعاصي لخبث مهيته اختار المعصية واستحقّ العذاب . فما أفيض من اللّه من الوجود والقدرة والإرادة وإرائة الطريق وغير ذلك يعمّهما على السواء ، وتفاوتهما في اختيار الطاعة والمعصية مستند إلى ذاتهما ؛ قلنا : حينئذ يعود الاشكالات المتقدّمة الواردة على القول باستناد الأفعال إلى ماهية العبد وذاته من كون ذاته محض القوّة والعدم ، فكيف يصير منشئا لصدور / 72 MA / خصوص الافعال واختلافها ؟ ! . ولا يمكن أن يقال : اختلافها مستند إلى اختلاف القابليات في المهيات ، لأنّ محض القوّة والعدم ليس له في نفسه قابليّة فضلا عن اختلافها ؛ ومن لزوم دوام صدور فعل صدر عنه مرّة ؛ ومن وجوب صدور الأفعال المتناقضة المتقابلة عنه في آن واحد ، ومن لزوم الجبر وبطلان الثواب والعقاب ، لأنّ مقتضى الذات لا يمكن انفكاكه والعبد غير متمكّن من تركه . فان قيل : لا ريب في أنّ المهيات الامكانية في حدّ ذواتها مع قطع النظر عن موجدها وتأثيره فيها محض القوّة وصرف العدم ليس لها اقتضاء ولا قابلية ، إلّا أنّه إذا أوجدها الواجب - تعالى شأنه - كان لكلّ منها في حدّ ذاته خصوصية ولوازم لا يوجد في غيره ، فان الانسان ماهية وحقيقة إذا وجد في الخارج كان بمحض حقيقته ومعناه ناطقا سميعا بصيرا - إلى غير ذلك من خواصّ الانسانية ولوازمها - ، والجسم حقيقة إذا وجد في الخارج كان لصرف ماهيّته ومعناه قائما بذاته ، والعرض ماهيّة إذا

--> ( 1 ) - الأصل : + و .